Wednesday, April 04, 2007

Death of spontaneity,the matrix reloaded, a poem

Death of spontaneity
lamentations for lost childhood
the matrix loaded

o father o mother
the thing is me
o sister o brother
the thing is me
o woman o man o sea
the thing is me
o sun o stars o world
the thing is me
I carry the secret can’t you see?
The most precious secret
Its is within you and me
P R O V E I T ! get it approved and certified
and when I moved to prove
I died
and lied


and you HEARD AND BELIEVED ME AT LAST !


but I cried..
frozen tears..
for I was no more
but was an actor ..
I had to cheat, imitate and pretend
for I moved no more

but thought I moved..
I indulged in elaborate action
simulating movement artifice and art
I acted victory and glory with all my might
with great success

lucky.. wretched.. man
that can weave a world of lies
and think it true!
Through and through
and prove it true! Mathematically,electronically, authoritatively
Without a shadow of doubt

and someone else throbbed and danced
o father o mother
the thing is me
o sister o brother
the thing is me and you
the truth is here
the truth is now
the truth is near and far
within this soft, wonderful and vulnerable thing

t'is in my throbbing heart and pulsating brain and yours
AND YOU INSISTED...

P R O V E I T F I R S T !
WE DEMAND APPROVAL, CERTIFICATION!

one plus one equals two one plus two equals three
three plus three equals seven
one minus one equals nothing
nothing nothing nothing equals infinity

How to unload the MATRIX?

Monday, April 02, 2007

حيرتي الكبيرة مع الأستاذ محمد حسنين هيكل

عن الأستاذ/ محمد حسنين هيكل

أجدها مناسبة لتقديم الشكر والتقدير للأستاذ هيكل على تقديمه لكتبه ووثائقه ومستنداته إلى نقابة الصحفيين كنواة لمؤسسة تجعل من كل هذه الوثائق والمستندات والمراجع مكتبة فريدة في متناول الدارسين في مصر ومن كل مكان.

وأقدر في الأستاذ هيكل ذكائه الحاد ولكن أقدر أكثر نظرته الكونية الشاملة للتاريخ، وهي نظرة مطلوبة وإن كانت للأسف شديدة الندرة، كما أنه بحكم مراكزه وقربه من مركز الأحداث ومراكز صنع القرار في فترة من أخطر الفترات التي مرت بها مصر يحوز ويصل إلى وثائق ومراجع حجبت عن الشعب المصري وعن الدراس المصري العربي فترة سيطرة الشمولية على العالم العربي بعقليتها المانعة لتداول المعرفة ولانتقال المعلومات و للوعي بأهمية الأمانة العلمية و التاريخية.

ويشوب هذا الإعجاب والتقدير للأستاذ هيكل، افتقادي فيما يقدمه من كتابات رائعة، لإختراق العالم الذي يضع البحث عن الحقيقة فوق كل شيء. وأجد بصفة متكررة أن علمه وعطائه الغزير يسقط بصفة مزمنة في فخ التبرير لعبد الناصر وعهده، وما صاحب هذا العهد من أخطاء وخطايا وانكسارات لا تلقى في مصر التشخيص العميق المنتظر والمطلوب رغم أن ما تورط فيه هذا العهد من أخطاء أدي إلي كوارث كانت قمتها المنطقية انهيار 1967 العسكري والسياسي والفكري والقيمي، ولا عجب فقد كان الأستاذ هيكل شريكاً أساسياً في هذا العهد ومبرراً ومفلسفاً له بنجاحاته الكبيرة وبثقافاته الكبيرة أيضاً وهو شريك في الإنجازات مثلما هو شريك في الترديات و النكسات.

وهذه المنظور التبريري المزمن والذي أجده بصفة مستمرة كخلفية دائمة في كتابات الأستاذ هيكل و أحاديثه الطلية الشيقة، يمثل نقاط لا رؤيا مزمنة (Blind Spots) تسحب منه صفة العالم المخترق وصفة عالم التاريخ التي هو أهل لها إن اراد وهي صفات يستحقها بذكائه الفريد وبحوزته لمستندات التاريخ المخفية أو السرية في مصر أو في دول الهيمنة، وتتركه هذه الحالة التبريرية بكل أسف في خانة الكاتب السياسي والصحفي بالغ التشويق والإثارة بديع الأسلوب منشغلا دائما بالتبرير و الدفاع عن عبد الناصرالذي لا يخطئ.

وسأكون أسعد الناس إذا استيقظت يوماً لأجد محمد حسنين هيكل اخترق حاجز التبرير إلى رحابة النقد العلمي العميق والجاد لمرحلة شارك في تكوينها وأحداثها، وهو مطلب لا شك شديد الصعوبة ويكاد يكون مضاد للطبيعة الإنسانية، ولكن أملي يستمر في أن الأستاذ هيكل بإنجازاته الكبرى قد يخترق هذا الحاجزونجده عالماً أكبر من الانحياز قادراً على انتقاد موضوعي وتحليل نقدي لجمال عبد الناصر وللفترة الناصرية.

ونفس هذا الحاجز المخل نجده يفرض الشلل على الفكر في مجالات اليسار المصري التقدمي والأحزاب الشيوعية المصرية وعلى القيادات الفكرية والسياسية للتيارات التقدمية ويشمل السقوط في فخ العبادة والعشق "للزعيم المحرر المنتظر باعث النهضة" وهو عشق بدأ الروس يشفون أنفسهم منه فيما يختص بستالين البطل نصف الإله، وهو أيضاً عشق شفي منه الألمان إلى حد كبير فيما يختص بهتلر البطل المعبود. وحتى الفرنسيون بدأوا في رحلة الشفاء فيما يختص بعشق نابليون البطل المبعود، وحتى الانجليز مؤخراً بدءوا وبكثير من الصعوبة رحلة الشفاء من عشق وعبادة تشرشل البطل المعبود.

والحقيقية الحيوية أن وعي الشعوب لا ينضج ولا يتحرك حتى يستوعب التاريخ بحيادية تحليلية ناقدة، وهو ما لا يتم إلا إذا نجح المجتمع بقيادة مفكريه و مؤرخيه في أن يتخطى حالة التجمد في عبادة وعشق البطل المعبود. وهو ما لم نفعله حتى الآن في مصر والدول العربية، وكان يجدر أن يساعدنا عليه أمثال الأستاذ هيكل والأحزاب التقدمية المؤمنة بالشعوب وحق الشعوب في الحركة والتقدم والمفترض أنهم حاملي لواء النهضة الحديثة ، وحق الشعوب في الحرية والتقدم والانطلاق.

وفي رأيي أن فشل التقدميين وفشل الليبراليين وحاملي لواء الحداثة والتطور في مصر في التحليل النقدي لتاريخنا لمعاصر ، وفي تحليل الفترة الناصرية والحكم العسكري بعمق كاف وبموضوعية علمية مخترقة، أدى إلى حالة من الجفاف والإفلاس والفقر الفكري، حتى لقد انتقل حلم الشعوب في التغيير من أيادي وعقول هؤلاء التقدميين المحبوسين في العشق والعبادة لعصر ترزح الشعوب تحت آثار مصائبه وكوارثه وأخطائه وهزائمه وفساده، إلى أصحاب الفكر الجامد المضاد في مجموعات السلفيين وفي اليمين صاحب الفكر الجامد المضاد للتغيير "ومحدش أحسن من حد" : ولسان الحال يقول إذا كان التقدميين ورواد التغيير تجمدوا في عبادة وعشق الحاكم المطلق الفرد البشري الخطاء فلماذا لا نندفع إلى السلفية ونمارس عشق المرسل المنزه العادل المحمي من الخطأ. لماذا نعشق ونعبد وننحني للبشر الخطائين ولنا من باب أولى أن نعشق ونعبد وننحنى للمقدس المنزل المنزه؟

طارق علي حسن

من حوار الفلاح الذكي مع الحكام الجدد

تسالي

حوارات كوميدية للمصري الحصيف مع حكام مابعد أربعة وخمسين (مقتل أوزوريس)

دا أنا غلباااااااااااااااان مع الشكر والإعتذار لعادل إمام.

العلاقة الثنائية بين الحاكم والمحكوم بدون وجود قوة ثالثة فعالة حكم على التعليم باللافعالية وبالفشل كعملية تنمية ونماء وحكم علي كل آليات المجتمع الصحي من عدل وإعلام وبحث علمي وإنتاج وحرية ونقد وتعبير، بالتعثر والقصور... وليس غريباً في ظل هذه العلاقة الثنائية أن يرى المسئولون في زيادة النسل وارتفاع التعداد السكاني، مجرد تهديد متصاعد وغير مقبول وشماعة أخرى تعلق عليها ظواهر الفشل والإحباط المتصاعد والذي له في الواقع أسباب أخرى بالمرة .. فلا يعقل أن نهتف عمرنا كله بالوحدة الخالدة للعرب ولوادي النيل والثروة البشرية الهائلة محبوسة في شريط ضيق بمصر في وادي النيل الشمالي بينما ملايين الأفدنة من أخصب أراضي العالم لا تزرع ولا تنتج ولا وصال علمي مع ثرواتها الطبيعية الهائلة ولا نستطيع تخطي العراقيل في طريق تحويل هذه الامكانات إلي واقع مؤثر وكيف ولم نطور قنوات وصال علمي مع الثروات البشرية أصلا ونحن مكرسون لخدمة الأبطال لا لتنمية البشر.

وليس في خاطر التراكيب الاجتماعية السياسية الثنائية هذه إمكانية أن ينشأ المواطن حراً قوياً جريئاً مبدعاً مؤثراً مشاركاً ... مستقلاً ... فاتحا لمجالات جديدة ومبدعة لإعالة نفسه وعياله ولرقي وتقدم مجتمعه.

ويمكن تلخيص العقد الجديد في العلاقة المعاصرة بين الحاكم والمحكوم في الدول المصابة التي تنطبق عليها الأنماط المذكورة أعلاه من خلال الحوار التالي :

-- سأكون مسئولاً عن أكلك وشربك ما رأيك ؟؟

- ربنا يخليك يا بيه ... ياي ده يبقى فضل كبير قوي ...

- وانا كمان هعالجك

- فضل كبير يا بيه .. أكبر وأكبر

- وأنا كمان هوظفك وهاعملك ماهية ثابتة علشان أنا بحبك وعايزك تبقى أفندي كده محترم وقاعد في مكتب ومحترم ... أنا عايزك تشرفني لما يجوني الخواجات الأجانب يزوروني ... دانت كنت بتفضحنا لما تظهر قدام الناس المحترمة اللي من بلاد بره وانت مزيت ولا مغبر ولا مطين وأعوذ بالله سعات كمان حافي وعرقان ومع البهايم والحيوانات المنحطة

- وسعات كمان حافي وعريان ومطين وانت بتزرع قال رز ولا قمح ولا برسيم ولا بتقوى جسور النيل من الفيضان إنت لسة معرفتش إن الكانتالوب و الفراولة أحسن يا متخلف؟ .. كنت فاضحنا ومحقرنا في عيون الخواجات الناس الحلوة الذوق النضيفة المتقدمة اللي بتدينا فلوس وسلاح .. كان خلاص .. بسببك .. عرفونا اننا متأخرين وهمجيين ومش متمدينين زيهم .. يا فضيحتك ده حتي بلغني إنك كنت بتولع الفرن بالجلة وفضلات البهايم ووفضلات المحاصيل.. ولزومه إيه القرف والطين والهمجية دي .. إنت ما سمعتش عن البوتاجاز والكهرباء والأتوماتيكي... إيه يعني لزوم الرز والقمح والفضلات والزبالة والطمي والطين والقرف .. كل ده اشتريهولك من حر مالي .. مال الدولة العظمى اللي هاعملهالك.. والفضلات والزبالة ابقى ارميها في أكياس بلاستيك زى الخواجات المحترمين .. أوعي تاني تدخل بيتك زبالة ولا بط ووز وفراخ وحيوانات وبلاوي تجيب المرض

- لا والله يا سعادة الباشا محصلش.. وعمره ما هيحصل ما دام سعادتك موجود ..

- والفيضان كمان هوأقفهولك .. ولا طين ولا طمي ولا وساخة وقرف من بتوع الفلح بتاع زمان .. تأخر ايه ده، إن الإنسان يبقى تحت رحمة الطبيعة والطمي والطين .. والزراعة دي علامة الدول المتأخرة ... المتخلفة .. فاهم ... الاستعمار كان بيدرس في المدارس إن مصر دولة زراعية معتمدة على النيل وفيضانه .. ده كذب وتأخر .. فاهم ؟؟ النيل سبب التأخر هسدوهولك! الصناعة الثقيلة هى سر قوة الأمم ـ هاعملك مصانع من غير عدد هاملالك العاصمة مصانع واشغلك في المصانع ! أنا عايز البلد كلها تبقى مصانع والفلاحين يبطلوا وساخة وقرف وطمي وطين ويبقوا عمال زي الورد يهتفوا باسمي وإسم الدولة العظمي اللي هاعملهالك فاهم ؟

-- طبعاً فاهم يا سعادة البيه كل اللي تقول عليه صح يا سعادة البيه .. (ما دام راكب وفي ايدك العصاية اللي هيه كل اللي تقول عليه صح .. (جانبيا) بس لو أخدت سؤالات فلاحين مصر كلاتها مفيش فلاح واحد في البر حيوافق علي قطع الفيضان والطمي ولا فلاح واحد هيوافق.. ده عند الفلاح قطع دراعه أرحم .. ده الفيضان والطمي والطين سر الأرض وسر الحياة ده سرنا ومعلمنا وحبنا .. إعملنا خزانات بس شرط مل تقطعش علينا الطمي حلفتك بالله إبني خزانات و سدود زي مانتو عاوزين جنابك بس ما تقطعش علينا الطمي .. لكن تقول إيه الريس دايما صح .. اللي راكب مية المية صح..دايما صح .. والزمن علمني ماكحش مع اللي راكب وفي ايده العصاية العصاية اللي هيه للي لسه ما يعرفش .. من غير إحم ولا دستور .. من غير ليه .. عندنا صاحب العصاية اللي هيه لما يغضب على حد ما فيهاش ليه : فيها قطع العيش ووقف الحال ووقف النمو .. ده إذا كان حظه حلو وأمه داعيا له .. أما إذا ما كانش أمه داعياله .. ممكن يروح ورا الشمس .. كام يوم كام شهر كام سنة ويمكن العمر كله .. العلم عند الله سبحانه وتعالى .. الظلم عندنا كده زي إرادة الله !! .. قدر ومالوش تغيير ولا تبديل .. من الفرعون للهكسوس لليونان للرومان للتركمان للشركس للأتراك للفرنسيس للإنجليز للألمان .."مكتوب علي الجبين".

(جانبيا) وممكن يعني يشوفولك تهمة .. جريمة يعني .. تتاوي مع المجرمين .. تأبيدة مخدرات في اللومان ليه لأ .. انت تفتكر حد عندنا يتحدى الحكومة ويطلع سليم ؟؟ بني آدم عندنا ضعيف ولو حطوا مخهم يشوفولوا مصيبة مش هيعدموا ولا يحتاروا .. مش عادل إمام بيقول "ده أنا غلبااااااان"

السطان عندنا يتقاله حاضر وبس .. أبدعت وبس ..

وحتى السلطان عندنا لما يحب "تطلع في مخه يعني" يبقى ديمقراطي زي الخواجات .. أو الخواجات يضغطوا عليه يبقى ديمقراطي زيهم لسبب في نفسهم .. يقوم يجيب مجموعة، يا عيني مننا، من الرعايا يعني، ويأمرنا عايزين معارضة ! إعملوا معارضة.. نعارض .. بطلوا .. نبطل ..

هاوهاوا على كيفكم هنا وهنا واوعى حد يهزر أو يعارض أو يهوب هنا أو هنا، أقطع رقبته .. فاهمين؟؟

فاهمين يا بيه يا باشا طبعاً فاهمين .. داحنا الزمن علمنا نفهمها وهي طايرة وناكلها وهية والعة!! الإنسان عندنا لازم يفهمها وهي طايرة.. النفر منا لازم يا باش باشا يتعلم يتصرف زي الصاروخ لجل يعيش ويحافظ علي رقبته.. وإلا ناله غضب السلطة .. وغضب السلطة عندنا واعر قوي قوي ومالوش حل ...

- الزراعة والفلاحة دي ذل مفروض على الدول المتأخرة .. ملكش دعوة سيب ليه كل حاجة وأنا أنضفك، وهأكلك وأشربك وأمنجهك وحاعملك دولة عظمي

- إنت مش فاهم حاجة علشان جاهل .. معلش بكرة هتفهم وتشكر ...

- أمرك يا سعادة الباشا .. بفضلك خلاص مفيش زيت ولا طين ولا عرق ولا وساخة هنقعد كلنا في المكاتب في البندر لابسين نظيف من غير تراب ولا طين ولا عرق ولا وساخة .. أعوذ بالله .. وهنبقى متمدينين ونظاف وكلنا بفضلك هناخد الشهادات الكبيرة قوى اللي تقول عليها سعادتك بنسب مية في المية وهتخترعولنا نسبة جديدة أعلي كمان من مية في المية.. وكلنا هنستوظف بفضلك ومش هنعمل أيتها حاجة وحشة ما تعجبش المقام بتاع سعادتك .. اسم الله على مقامك .. وانت هتعملنا دولة عظمى وتهزم لنا كل الأعادي والأشرار ...

- طبعاً

- ربنا يخليك يا سعادة الباشا

- خلاص عهد الظلام والظلم راح وشقشق عهد الحرية

- ربنا يباركلنا فيك يا بيه يعيش سعادة الباشا البيه الزعيم حبيب الملايين..

- بس انت ما لكش دعوة بأيتها حاجة ...

- اللي تشوفه يا سعادة البيه

- تديني تفويض كامل .. آه كامل .. فاهم ؟؟ انت مالكش دعوة بأيتها حاجة

- كل اللي تشوفه صح يا سعادة البيه

- أنا محبش المقاوحة .. فاهم ؟؟

- استغفر الله واحد زي يقاوح مع واحد زيك إزاي يا سعادة الباشا .. هي العين تعلي على الحاجب؟؟!!

واستمرت الحكاية..

و كان أن أدي الفلاح الحصيف إلي تسليم قيادة البلاد والعباد إلي "الحاجب" في غياب "العين" المنشغلة والمنهمكة في إستعذاب تصغير النفس وإنكار الذات والذوبان خوفا وحبا وطمعا في "الحاجب" المؤله! وكان ما كان مما يثير العجب في كل زمان.. هية العين تعلي علي الحاجب؟

و لا زلنا في طريق الآلام حتي يقتنعنا الإعلام المخلص الهمام وتقنعنا صروف الزمان أن العين فوق الحاجب وأن الحاجب خادم العين وأن البصر والبصيرة وصالح الأمة فوق "الحاجب". وأن الفلاح الزارع المنتج المتوازن مع الطبيعة والحياة هو المفتاح و أن أصغر مواطن فوق الحكومة وسيدها ورائدها!!


حوارات الفلاح الفصيح ـ الجزء الثاني

وكان أن جاءت سنة 80 ،

وكان الناس المخلصين يمارسوا مع الحكومة والزعيم شروط الاستسلام الكامل والتسليم

حسب الاتفاق القديم من أيام أربعة و خمسين

وسعدت الحكومة أيما سعادة، والزعيم.

وتحول الجميع إلى أفنديات وموظفين، يمشوا جنب الحيط كؤدبين و كويسين، وانخفض الإنتاج إلى أسفل سافلين، ولما تكاثرت على الدولة الديون، حتى بغلت الحلقوم، كان أن انهالت الهزائم الخارجية والمصائب حتى ضاعت القدس والجولان وما تبقى من فلسطين.

وفجأة تملص الأسياد وأصحاب السلطة والسلطان من العهد والوعود.

- خلاص أنا هاخلع إيدي من كل حاجة.

- لا لا يا سعادة الباشا .. حرام

بعد ما علمتني أننا أسلم وأستسلم وأمشي جنب الحيط .. تسيبني كده .. حرام يا سعادة البيه .. مش كان العهد إني أسلم واستسلم ، وإنك هاتأكلني وتشربني وتعلمني وتوظفني وتجوزني .. وتعملي الدولة العظمى ، وتحرر القدس ؟

- لا لا لا .. كل ده خلاص .. لاهاوظفك .. ولا اشربك .. ولا أكلك .. ولا أعلمك .. كل ده خلاص .. إتصرف .. أصلك ما بتنتجش ، وما ما بتبدعش .. خرجت من التعليم جاهل .. اديتك بكالوريوس وماجستير بالآلاف وبرضه جاهل .. ودكتوراه وبرضه جاهل .. ما بتنتجش حاجة غير عيال .. أعمللك إيه ؟ خلاص خلاص العهد انتهى .. مفيش حل خلاص .. مش عارف أوكلك انت وعيالك .. ومفيش حل غير إني أبيع البلد للأجانب الحلويين الأغنياء علشان أسدد الديون .. وكل ده علشان أوكلك انت وعيالك يا متخلف.

- ما أنا كنت باوكل نفسي وبوكل عيالي قبل ما أسلم لك كل حاجة، وأمشي جنب الحيط .. علشان خطرك ومن حبي فيك سلمت لك كل حاجة .. وادي أخرتها ؟

- الله الله .. انت هاتبجح والا إيه؟ .. انت عايز تروح ورا الشمس والا إيه ؟ احنا يا عببيط في عصر الاقتصاد الحر وديناميات السوق.

- ديناميات إيه .. أنا أعرف سوق الخضار وسوق السمك .. قصدك كده يا سعادة البيه ؟

- اسكت .. انت هاتقاوح معايا يا جاهل ؟

- بعد خمسين سنة من الاستسلام تسيبني كده جعان؟ بعد ما عيشتني التسليم والتعليم الفاسد في كل مكان .. والتخويف والإرهاب كمان .. بعد كده تسيبني .. مش حرام ؟ والله حرام وأنا طول عمري باحب الحكام أقدم لهم كل الاستسلام.

- إنت في الأكل منشار .. ولا بتنتجش غير عيال .. وعايز تاكل تاكل تاكل .. وعوايدك في الأكل مهببة وضياع وفساد واهدار .. علشان أأكلك لازم أبيع البلد للأجانب الحلويين الأغنياء المنظمين ودول مش عايزينك وانت غير مطلوب. الجاهلين اللي زيك مش مطلوبين في العالم الجديد؟

- ماجستير ودكتوراه وتقول جاهل ومش مطلوب كمان .. ده لغز والا إيه يا بيه ؟

- ما هو جاتك مصيبة لو ما تتعلمش وتتحرر علشان تتحرك مش هتلاقي مكان في العالم الجديد .. وتظل غريب في بلادك ومش هاعرف أعمل لك حاجة .. بس ممكن تتحرك "كده وكده" .. تمثيل يعني أمام الخواجات .. ولو أخذت الحكاية جد وتحررت حقيقي ولا تعلمت حقيقي أو كانت لك إرادة بحق و حقيق .. أسحقك وأوديك ورا الشمس .. انت فاكرني هفية والا إيه ؟ إنت مش عارف الحكومة ؟

- لا لا يا بيه .. عارف كويس قوي يا سعادة الباشا .. هي العين تعلى عن الحاجب ؟

- آه آه آه آه آه آه آه آه آه آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه


The Beetles "we all live in a yellow submarine"

الحياة في الثقب الأسود

المجتمع المقلوب عندما ينفلب كل شئ إلي عكسه

عتدما تتلاحق و تتابع إنهيارات المنظومات الطبيعية و تتراكم، تأتي لحظة حرجة ويتحول كل شئ إلي عكسه حتي المادة تتحول إلي عكسها، ينقلب الوجود و الواقع إلي ثقب أسود رهيب يتكون و يكبر يجذب كل شيء يدفعه سوء الحظ إلي مجاله جذبا رهيبا سرمديا بلا فكاك أو خروج و في الداخل كل شيء معكوس كل شيء صورة من نفسه دون ان يكون نفسه. و كل ما يحدث في هذا العالم المقلوب معزول عن التواصل و التأثير في العالم الحقيقي بينما "المحابيس" يعتقدون بكل إخلاص أن درامياتهم المحبوسة و أقصاها "زوابع في فنجان" تؤثر في العالم "الحر" و تحركه.المحبيس في الثقب الأسود يقنعهم "أمرائهم" و قياداتهم أنهم في طريق النهضة و يحتفلون بالنجاحات الهائلة و بالخطة الخمسية الثالثةو الرابعة و الألف و هم "محلك سر في الثقب الأسود .. هل هكذا ثورات التحرير التي تحولت إلي ديكتاتوريات عسكرية سافرة أو مستترة في عالمنا المقلوب؟ و هل هكذا حركات النهضة الاسلامية السلفية في عالمنا المقلوب التي تكافح لغصب المجتمع علي العودة ألف وربعمائة عام إلي الوراء إلي تاريخ لا يعرفون عنه أدني الحقائق إلا أحلام غير حقيقية بعيدة تماما عن الواقع ؟؟

علي هامش سقوط بغداد و سقوط أشياء كثيرة في تاريخنا المعاصر

تتداعى إلى الذاكرة في هذه الأيام السوداء من أبريل 2003 أيام سوداء مثلها أو أمر في يونيو 1967 وينبثق في الوعي بالنسبة لجيل مثل جيلي عاش الإنكسار تلو الإنكسار وأغُرق في الأكاذيب بلا حدود وبلا خجل، أن الديكتاتورية وحكم الفرد بكل تنويعاته هو في الواقع تعجيز وشل لقدرات الشعوب والجيوش معاً حتى وإن كانت هذه الديكتاتوريات ديكتاتوريات عسكرية تحظى الجيوش فيها بنصيب الأسد من الدخل القومي وبكل أنواع التميز التي تجعل المواطن العادي مواطن من الدرجة الثانية بالنسبة لأفرادها المحظوظين ، وقد يتبادر إلى الذهن أن هذه الجيوش بالتالي هي جيوش جبارة تبز وتتفوق على كل ما عداها من جيوش ، ولكن الأداء والتاريخ أثبت بما لا يدع مجال للشك أن الجيوش التي تتحور وظيفتها لتصبح آداه من أدوات الحكم وآداه من أدوات السلطة تفقد بطرقة تكاد تكون غير محسوسة قدراتها القتالية.

وقد غذونا حتى الثمالة بالجيش العراقي الجرار وبقدراته الفذة وبالمستويات الخطيرة من فرقه ارتفاعاً من الجيش العادي إلى ما سمي الحرس الجمهوري ثم الحرس الجمهوري الخاص والفرق الفدائية الخاصة حتى وكأنه انطلت هذه التغذية الكاذبة على الغرب المتحفز للعدوان على العالم العربي والإسلامي وعلى العراق أو لعله ساير هذه الدعايات الكاذبة من أجل أن يضخم في انتصاراته وأن يبرر لنفسه ولأجهزته الجهنمية العدوان الوحشي بآلات الدمار الشامل على الضحية المختارة من عالم العرب والمسلمين المبتلى بتنويعات من الحكومات الأتوقراطية وتنويعات حكم الفرد

وتناسينا مرة أخرى تفاؤلاً وحباً في العراق الشقيق أن الجيوش في هذه النظم والتراكيب المأساوية بأسها على الداخل وأن أجهزة الأمن والمخابرات والبحث فيها موجهه إلى الداخل وأنها إن كانت تعرف كل شئ عن المواطن الغلبان فهي لا تعرف أي شئ مفيد عن العدو الأمريكي أو الإسرائيلي.

وقد بلغ ما تعرض له جيلي وأجيال بعدي من غسيل مخ أننا تابعنا الأحداث السوداء في مارس وأبريل2003 غير مصدقين لما يحدث وكلنا متناسين ما تفعله الديكتاتورية بالشعوب والجيوش ولم نكن نصدق ما يجري وكنا نقول في حكمة العارف ببواطن الأمور أن كل ما يحدث هو خدعة من الجيش العراقي الجبار الذي طالما أخبرونا عنه ، وأنه يستدرج القوات الأمريكية والبريطانية الغازية إلى بغداد ليفاجئها بقواته الجبارة ويقضي عليها ويمزقها شر تمزيق بالأجهزة والأسلحة والأدوات المناسبة التي حضر نفسه لها عبر ما يزيد عن ثلاثة عشر عاماً من الحصار والعدوان والتربص المعلن و المستتر.

أين كانت الأجهزة والاستخبارات والمخططين والعسكرين من هذا التخطيط العدواني الرهيب الذي كان من الواضح لأي ساذج أن أمريكا تجهزه للعراق.

وتتداعى إلى الذاكرة وأنا أستمع إلى وزير الإعلام محمد سعيد الصحاف الذي كسبنا بقدر من خفة الدم و الأكاذيب التي يبلغ من عظمتها ان تكون مسلية جدا مضحكة مبكية في آن واحد. ورغم البعد الزمني و الألم العميق لهذه االأحداث المأساوية الظالمة. ألاحظ أن الذي يتداعى إلي الوعي الحزين هو التطابق شبه التام مع البلاغات العسكرية المتتالية لهذه الأيام المشئومة في يونيو 1967 ربما يقرأها شخص بتكنيك يختلف عن الصحاف خفيف الدم في كذبه بطريقة أحمد سعيد المتعاليه و الواثقة المشهورة وفيها هذه التتابعات المدهشة " أسقطنا كذا و كذا طائرة من طائرات العدو.... معارك شرسة تدور في المكان كذا ثم بدون أي معلومات أخرى مقاومة ضارية تبديها قواتنا الباسلة في مكان آخر لم يكن لدينا أي أخبار أنه تحت الهجوم..... وهكذا بينما يصعد الاحباط و اليأس الأسود في النفوس المعذبة بالكذب قواتنا الباسلة تخوض معارك ضارية في رفح ثم في العريش ثم في بور توفيق

لا يوجد شيء يمكن ان يعوضنا نحن شباب مصر المخلصين آنذاك من عذاب الأكاذيب الصارخة و لا من آثار إختزال الوطن في شخص الزعيم البطلالذي يصنع الحقيقه كيفما شاء لنصدم المرة تلو المة بالهوة السحيقة بين الحقائق و الادعاء.

تضخيم هائل لخسائر العدو مع إنكار كامل لتأثير ضربات العدو على القوات المدافعة وتستمر هذه الحلقة المعتادة من البلاغات الوهمية بينما ينبثق الكابوس بالتدريج على النفس من أن هناك شئ بشع يحدث وأن هزيمة مروعة في طور التكوين، دون أن يتاح لنا كمواطنين تعتبرهم السلطة المركزية عيال دون المسئولية أن نعرف ماذا يحدث بالضبط ولو لنجهز أنفسنا في صورة مجموعة لحفظ الأمن والنظام ولضمان سلامة المرافق عند حدوث الانهيار المحتوم القادم.

تختنق الكلمات في نقد أداء وأساليب هذه الحكومات الأتوقراطية التي أوردت الحلم العربي والإسلامي موارد الكارثة والهلاك عندما نرى على الوجه الآخر كم الأكاذيب والادعاءات الوهمية التي تردى فيها الإعلام الغربي وبصفة خاصة الإعلام الأمريكي والبريطاني ، وكأن السلطات في كل مكان قد تعلمت مننا أن تعتبر المواطن مجرد تابع يفعل باسمه كل شئ وأي شئ حتى ولو كان مضاداً تماماً لرغباته العارمة كما شاهدنا بلير وبيرلسكوني واثنار في تحد كامل لما بدا أنه الإرادة الشعبية كما عبر عنها الأسبان والطليان والإنجليز في شوارع عواصمهم الرئيسية.

نعيش في الأكاذيب والأوهام والتكهنات ولا نفيق منها إلا بواقع مر ثم واقع أكثر مرارة يفرض نفسه علينا.

التكهنات كثيرة في كيف سقطت بغداد هذا السقوط المروع وكعادتنا نبحث عن حل مستسهل يساعدنا على الهروب من مواجهة الواقع المرير ولكنني أكرر أن الهزيمة ما هي إلا انعكاس لهزيمة مسبقة للشعب وللجيش ولكافة الأجهزة بواسطة الديكتاتورية وحكم الفرد الذي يختزل الوطن و الشعب باسم أهداف "نبيلة" و يعمل علي تصغير و تجهيل المواطن.

والدرس المستفاد في 2003 كما كان الدرس في 1967 هو أن الديكتاتورية وحكم الفرد يهزمان الشعب ومؤسساته والجيش ومؤسساته قبل أن يهزمهم العدو الخارجي.

فهل نتعلم من 2003 وهل تعلمنا واعتبرنا من 1967 وهل يتسع خيالنا لنرى التوازن والتطابق شبه الكامل بين الحدثين المروعين الذين سحبا ويسحبان من جيلي وأجيال بعدهم الأحلام والتمنيات ؟

بلغنا من بعض الجهات أن الجيش في العراق كما كان في مصر 1967 كان مشلولاً ومفتقد الأوامر ووجد أنه غير قادر على التصرف التلقائي وهذا هو النتاج الطبيعي لتحول الجيش إلى مصدر للسلطات حيث يخشى الحاكم بالطبيعة من إطلاق سراح الوحدات العسكرية في حرية الحركة وفي الدخول إلى العاصمة خوفاً من أن تمارس صلاحيتها الجديدة المعتادة وتقفز على مقعد السلطة.

أي إذا جعل النظام القوات المسلحة و الأجهزة هي المصدر الحقيقي للسلطات فلا بد من آليات جهنمية لتكبيل و تكميم و للتحكم في الشعب و للسيطرة و الحفاظ علي الشعب مجهلا مستأنسا إلي الأبد من أجل الحفاظ علي سلطة هذه الأجهزة الجبارة و الخطرة مالكى القوة الوحيدة في البنيان الإجتماعي. و التاريخ الطبيعي لهذه النظم يشمل مع الوقت تحالف السلطة مع المال –مهما تشدقت هذه النظم بالاشتراكية و العدالة الاجتماعية-كما يشمل عدوان حقيقي ظاهر و مستتر علي التعليم النمائي و الثقافة و تدعيم مباشر و غير مباشر للتعصب الفكري و الديني الذي هو الوجه الآخر لأحادية الرؤيا و ضحالة التعليم و الثقافة التي تمارسها السلطة و أجهزتها و تفرضها بكل ما تملك من قوة.

و الخلاصة انه لا بديل عن تحرير الارادة الشعبية و تمكين الشعب عن طريق إعادة ميلاد مجتمع مدني ينبع من القاعدة و دستور ينبع من قواعد وقيادات غير سلطوية و لكن فكرية و قانونية، و لا بديل عن دستور يخضع جميع الأجهزة لآليات الشفافية و المساءلة و التوازن الضروري بين السلطات.و التغاضي المزمن و التحايل المزمن علي هذه البديهيات في الوطن العربي يهيئنا للمزيد من الترديات و الهزائم و الفرص الضائعة. و كل ما يحدث متجاهلا لما أسلفنا من بديهيات هو كالزبد سينتهي حتما بعد أن يلعب بكل أسف دوره المطلوب في تعطيل التطور و اثارة الضباب علي مسالكه. و يراعي انه ليست كل الهزائم عسكرية في حروب بين الجيوش و لكن هناك هزائم في التعليم و هزائم في البحث العلمي و هزائم في الاقتصاد و هزائم في الثقافة هزائم في القانون و التشريع و هزائم في الاعلام المزور للوعي و نري هذه الهزائم أخطر و أعمق أثرا من الهزائم العسكرية حتي لو أمعنا في الانكار و التمثيل كعادتنا.



طارق علي حسن

Thursday, November 02, 2006

Self photo 2006

على هامش تراجع الجامعات المصرية (4)


على هامش تراجع الجامعات المصرية (4)

§ عاتبني بعض الزملاء الذين أعتز بهم إنني ألقيت كل الضوء على الاعتداءات على الحرية الأكاديمية وعلى استقلال الجامعة بعد مارس 1954، دون تسليط ضوء كافي على الاعتداءات المتكررة على الجامعة التي حدثت قبل ذلك. وإحقاقاً للحق لا بد أن نرصد أن الجامعة والحريات الفكرية والأكاديمية ومشاركة المرأة وكل ما يخص ديناميات التغير والتطور والنمو كانت دائما محورا لهجوم قوي مضادة للنمو وللحرية وللتطور وستظل كذلك طالما لم يتحول المجتمع بعد إلي ثقافة التفاعل والحوار ونبذ العنف وقبول الاختلاف كحق أساسي وكنشاط ضروري في طريق النمو والمعرفة.

§ ولكي نكون عادلين وإحقاقاً للحق وإتماماً للاستنارة يجب أن نرصد أن "غزوة الجامعة الكبرى" في 1954 لم تكن العدوان الوحيد ولا الأول ولا الأخير على الجامعة والاستقلال والحرية الأكاديمية وما تحتاجه الجامعة لتكون جامعة حقا، من حرية الفكر وحرية البحث وحرية التعبير والاستقصاء والمشاطرة والتواصل والحقوق المتساوية للجامعيين، من الطالب إلى الأستاذ مواطنين محصنين ذكوراً وإناثاً مؤهلاتهم الكفاءة والسعي والبحث والعمل في محراب العلم والمعرفة بأنواعها، لهم كل الحريات الضرورية مصونة في البحث والتعبير وطلب العلم والمعرفة والتواصل بكل الطرق.

نرصد أنه كانت في البلاد منذ بداية حركة النهضة الحديثة في بداية القرن التاسع عشر قوى مقاومة للتطور والتغيير وللفكر نحتاج أن ننضج إلى تشخيصها، ليس في جناة وأشرار خارجيين كعادتنا المستسهلة، ولكن في أنفسنا وفي خوفنا العميق من الحركة ومقاومتنا للتغيير. فقد حاربنا قاسم أمين وعرضناه للاضطهاد وربما للموت المبكر، كما حاربنا طه حسين وأجهضنا مشروعه الفكري والعلمي والبحثي، وأجهضنا اجتهاد علي عبد الرازق الشجاع وأمثاله، وإن كان أخطأ فله أجر وإن كان أصاب فله أجران، لوقوعنا ضحية سهلة لدعاة السلفية والثبات العقيم ومقاومتنا الاتوماتيكية للمجددين وللمجتهدين والمبدعين في أمور الدنيا والدين. قد خسرنا الكثير لعدم دفاعنا عن النسيج المناسب الذي يتيح لمبدعينا وعظمائنا من المخترقين علما أو فكراً أو فناً أو فقهاً، الازدهار الكامل والعطاء المتكامل والتواصل الآمن.


§ فروق جوهرية بين الهجوم علي الجامعة وحقوقها والحريات الأكاديمية قبل وبعد 1954

ومهما كان في تاريخنا الحديث من مآسي ودروس وعبر وعدوان متكرر على الجامعة والجامعيين والحرية الأكاديمية وعلى أصحاب الرأي والرؤيا المبدعة والفكر الحُر، فإن هناك فروقاً جوهرية بين "الغزوات" المضادة للجامعة وللحرية الأكاديمة والفكرية والبحثية قبل وبعد مارس 1954. وقد كانت "الغزوات" السابقة تأتي في جو مجتمع لم تزل به ديناميات ومساحة للحركة، تتنازعه قوى معظمها بكل أسف ديكتاتوري وأحادي في التوجه دون أن تكون الغلبة المطلقة لأي طرف وهذا أعطى المساحة للمجتمع أن ينمو ويتطور وللجامعة أن تنمو وتتطور رغماً عن القوى المضادة للتطور بما فيها "السراي، الانجليز، أحزاب الأقلية، اليسار المنغلق في الكتاب الماركسي المقدس، واليمين المنغلق في حرفية فَهْم محدود ومجمد للكتاب المنزل المقدس بلا فلسفة أو فكر جديد". وبفضل وجود مساحة للحركة وسط هذه الديناميات المتصارعة والمتضادة كانت هناك مساحة للتطور القومي ولتقدم الجامعة ـ رغم الهجوم ـ تقدماً هائلاً أفرزت خلاله الجامعة العمالقة في كل مجال وقبلت الجامعة الطالبات جنبا إلي جنب مع الطلبة في أواخر العشرينات كما قبلت المرأة عضوا في هيئة التدريس في كلية العلوم مع مطلع الثلاثينات كما هو مسجل في تاريخ مصر الحديث قبل مارس 1954. والذي حدث بعد مارس 1954 أنه لم تعد هناك مساحة للتفاعل ولا ديناميات متفاعلة أو متصارعة، بل ضاعت الديناميات تماماً في ظل سلطة واحدة ساحقة ماحقة لا ديناميات أو حوار معها. ووُلُد المجتمع الاستاتيكي الذي ينكر ويلغي الكفاح الكبير الذي مرت به مصر في القرن التاسع عشر وفي النصف الأول من القرن العشرين من أجل ديناميات تطور وتنوير ومن أجل الدفاع عن دستور ليبرالي ديمقراطي تقدمي ومن أجل مشروع وفكر وفقه إسلامي يتفاعل مع الحداثة بكل قوة وإبداع وأصالة (الشيخ محمد عبده)، كل هذا التاريخ الرائع تم تقزيمه ونسيانه من أجل تسهيل السقوط في حلزون الانتكاس إلى مجتمع محكوم برؤيا أحادية لا يعقل ولا يتصور أن تحدث فيه حركة، أي حركة، إلا من أعلى وإن حدثت حركة، أي حركة، من القواعد فهي تُبتر وتُسحق فوراً من أعلى بلا نقض أو إبرام.

§ مصيبة تقنين "الشرعية الثورية" وإدخالها في نسيج المجتمع الفكري والقانوني بعد انقضاء الفترة الانتقالية

§ إننا كمجتمع سقطنا في فخ فظيع ولا نزال نعاني من توابع هذا السقوط.. ألا وهو تقنين وتشريع مرحلة ما سمي "بالشرعية الثورية" وهو خطأ وخطيئة كفيلة بتعقيم أي مجتمع.

§ وإن كان لا بد من "شرعية ثورية"، وهو ما لا أتفق معه ـ فلتكن كما هي فعلا شرعية سلطوية ثورية غير قانونية كما هي مفاهيمياً وفكرياً لضمان أن تظهر لا قانونيتها بطريقة زاعقة فور انتهاء مرحلتها، ويصبح من المستحيل والشاذ استمرارها لأنها استثناء مرحلي ثوري شاذ لا يُمَكّن من تغيير القيم الطبيعية القانونية اللازمة لصلاح المجتمعات، ينتفي ويذوي بمجرد انتفاء مرحلتها. أما ما فعلناه بتقنين وتركيب "الشرعية الثورية" الاستثنائية في نسيج المجتمع وتشريعاته وفكره ودستوره مع اقحام تقاليد سلوكية ومفاهيمية جديدة مريضة، فهو مصيبة كبري، لا زلنا نعيش توابعها في كل مجال، وقد تحولت هذه اللوائح والقوانين إلي مناخ تشريعي خانق وقاتل لكل وأي مبادرات قاعدية طبيعية لا تحلم أي حركة قاعدية بالتواجد دون "ترخيص" ودون تسليم نفسها للسيطرة الكاملة للسلطة المركزية الأحادية، مسبقا، كما تحولت هذه الأيديولوجية ـ التي تخطاها الزمن، والتي هي من عجب عكس مفهوم الثورة التي يفترض أن تؤدي إلى توسيع دوائر التمكين ورفع كفاءته وفعاليته ـ تحولت هذه الأيديولوجية إلى سلوك وفكر وثقافة سائدة وتطبيق مزمن ً يُجهض قدرات الشعب ويهدر طاقاته في خليط من ثقافة الاستسلام والخوف من الصدق ومن التعبير ومن الفعل المؤثر في أي مجال مع الايمان والاستسلام الكامل لواقع جديد مفروض أن السلطان (الريس الأعلي لكل شئ) مصدر السلطات والمال والمناصب وكل شئ وهو مصدر الجنة والحقوق والسلطة إذا رضى، والنار والويلات وعالم "القانون في أجازة"، إذا غضب، مع الاستسلام الفكري والسلوكي لواقع أن الحكومة والسلطة صاحبة الحق في تسيير كل شيء على هواها بما في ذلك ما يسمى بالإرادة الحرة للشعب. وللناظر في ما حدث ويحدث في الانتخابات بعد 1954، أي انتخابات سواء على مستوى الجامعة أو حتى على مستوى الوطن يجد أنها تسير حسب رغبة السلطة وطلبها وعلى جميع الأطراف الانصياع. وتأكيداً لما ذكرناه من مصيبة تشريع الشرعية الثورية المرحلية، تم مثلاً مأسسة عمليات تحوير الانتخابات على المستوى القومي وعلى المستوى الطلابي في الجامعات على هوى السلطة كحدث طبيعي، ومن الناموس.كما تم مأسسة تبعية الجامعات ومراكز الأبحاث للسلطة! (من النقاط المضيئة التي تطمئننا أن شعلة الحياة والحق لا تموت، شهادة المستشارة نهى الزيني عن تحوير الانتخابات الحالية حسب رغبة السلطة)

§ ولكي أشجع الاختراق المطلوب والضروري للعلاج، دون تشنجات مستميتة في الدفاع عن ماضي قريب ضل الطريق إلى النهضة والتطور، فأنا على استعداد لإفتراض أن من قاموا بعمليات سحب التمكين من الشعب ومؤسساته ـ بالتشريعات التي تنفذ أيديولوجية الدولة

المركزية الأحادية، أو بغزوات الاغتصاب المباشر ـ كانوا يعتقدون ربما بكل إخلاص أن هذه التتابعات هي خدمة ضرورية للوطن وهي طريق النهضة والرفعة والقوة. وكيف كان لهم أن يتنبأوا ـ والجميع في نشوة السعادة والانبهار بأحداث عزل الملك 26 يوليو 1952 أو بتأميم القناة وانتصارات أكتوبر1956 ـ أن تعقيم ديناميات التعدد وأن غزو الجامعة واخضاعها، وأن منهاج إختزال الوطن ومؤسساته إلى سلطة أحادية تنتهي كلها إلي الزعيم القائد المنتصر الملهم بلا استقلالية أو فصل للسلطات، هو طريق مسدود يؤدي مؤكدا إلى الانهيار والضياع والكارثة في النهاية؟

ولكي نلتمس العذر، كيف كان لهؤلاء الذين حققوا نفس التتابعات في الاتحاد السوفيتي وفي العراق بسحب التمكين من كل فئات المجتمع وتعقيمه من التفاعل والديناميات بإسم النهضة المأمولة والجنة الموعودة والانتصارات المؤزرة القادمة وبإسم الملايين المقهورة ينوب عنها الزعيم ـ نصف الإله أو العارف بالله وحده ـ ومعه القلة ـ الأوليجاركية ـ التي منحت لنفسها الوصاية ـ المؤبدة عملياً ـ على الملايين المقهورة بإسم الملايين المقهورة!. كيف كان لهؤلاء المُخْلِصين "المُخَلِّصين" كما رأوا أنفسهم أن يتنبأوا بأنهم يقودون أوطانهم وشعوبهم إلي كوارث محققة وكيف كان لهم أن يتصوروا 1967 في مصر وكيف كان لهم أن يتصوروا السقوط المدوي للإتحاد السوفيتي 1990 وكوارث العراق الممتدة منذ حرب الخليج الأولى وكوارث السقوط المروع والعام والمستمر للعراق منذ 1990 وحتى الآن.

وهل للإتجاهات المختلفة والقوى السياسية أن تستمر، كما نراها، في عناد أسطوري، في إغماض الأعين وإنكار الدروس عن سقوط "الدوجما" (الدوجما هي منظومة فكر أحادي ثابت يُرفع بالتقديس المنسوب إلى السماء أو إلى عبقري أرضي معبود أو شبه معبود (ماركس مثلاً) ليصبح غير قابل للحوار أو للتطوير أو للتفاعل مع آخر أو آخرين أو مع الأحداث والوقائع الدامغة. وهذا المنظور الجامد يفترض أوتوماتيكياً وبراحة فكرية وبكسل فكري فريد أن المختلف مسكين أو شرير على خطأ وقصور في الفهم.)

وهل نستمر في تجاهل الفشل المتصاعد لكافة تنويعات الرؤيا الأحادية الثابتة صاحبة البراعة في التنكر تحت أي ستار بلا تفاعل وبلا مساحة للتفاعل أو الحركة؟ وهل لنا أن نستمر في استمراء السقوط في براثن "الدوجما الأحادية" التي سقطت السقوط المدوي في كل اختبار وفي كل مكان ورغم ذلك لها جرأة أبدية في أن تخرج لنا حية مغرورة مستأسدة عنيدة من ركام الأمم والشعوب والمجتمعات التي عقمتها وحطمتها، وقد تأستذت الديكتاتورية الأحادية في الاستمرارية تحت كل ستار وأي ستار متنكرة في أزياء "آخر موضة وكل موضة"! مبدعة في قدراتها المدهشة على "تمثيل" كل متطلبات العصر والتطور والحداثة، وقد أعطت نفسها "نيو لوك" تحمي به نفسها وتحمي تشريعاتها الماكيافيللية التي تمنع التعددية والحركة والتفاعل من الكشف والعلاج والتطهير. نظم شلل وإزمان تمنع عبقرية المجتمعات المصابة بها من الوعي ومن تكوين أجسام مناعية فعالة مضادة تتيح بقضائها علي فيروس "الدوجما"، الحركة والتفاعل الحر والنمو والتطور، تماما مثل ميكروب الإيدز الذي يدافع عن حقه في أن يترعرع على حساب المجتمع المصاب بشل جهازه المناعي وخداعه.

§ فلنُسَلِّم إذاً من أجل البعد عن اللجج ومن أجل توجيه كل الطاقات إلى التطور، ولنؤكد أن هدفنا ليس الادانة ولكن الوعي والتنوير والعلاج، أن كل ما تقدم من كوارث وأخطاء واعتداءات وانحرافات، كان ضرورة مرحلية، ولكن الغير مغتفر حقا ألا نسارع بتطهير مجتمعنا من ترسانة التشريعات الماكيافللية الساحبة للتمكين والمانعة للتعددية وللتفاعل والتي تجعل من السلطة المركزية الأحادية بلا فصل حقيقي بين السلطات، "كل شئ" في هذه المنظومة، والمجتمع بقواعده ومؤسساته ومنها الجامعات طبعاً، وباتجاهاته المتعددة والمختلفة بالطبيعة، كيان معتمد مشلول ينتظر التوجيهات من أعلي، "لا شئ"!!

د. طارق علي حسن

tali@idsc.net.eg


على هامش تراجع الجامعات المصرية (4)

عبد الناصر و السنهوري (يسير خلفه ) و محمد نجيب
مصير مصر ومستقبلها و الأجيال في الميزان
فهل من يقرأ لنا بحق ماذا كان يدور بخلد كل واحد من هؤلاء الثلاثة؟؟؟
أستاذ أساتذةالقانون المدني و القانون الدستوري يمهد الطريق للحكم العسكري وحل البرلمان و إلغاء الدستور
و هل من يستشف لنا الدوافع الحقيقية خلف مواقف وقرارات كل طرف؟؟؟

على هامش تراجع الجامعات المصرية (4)

§ عاتبني بعض الزملاء الذين أعتز بهم إنني ألقيت كل الضوء على الاعتداءات على الحرية الأكاديمية وعلى استقلال الجامعة بعد مارس 1954، دون تسليط ضوء كافي على الاعتداءات المتكررة على الجامعة التي حدثت قبل ذلك. وإحقاقاً للحق لا بد أن نرصد أن الجامعة والحريات الفكرية والأكاديمية ومشاركة المرأة وكل ما يخص ديناميات التغير والتطور والنمو كانت دائما محورا لهجوم قوي مضادة للنمو وللحرية وللتطور وستظل كذلك طالما لم يتحول المجتمع بعد إلي ثقافة التفاعل والحوار ونبذ العنف وقبول الاختلاف كحق أساسي وكنشاط ضروري في طريق النمو والمعرفة.

§ ولكي نكون عادلين وإحقاقاً للحق وإتماماً للاستنارة يجب أن نرصد أن "غزوة الجامعة الكبرى" في 1954 لم تكن العدوان الوحيد ولا الأول ولا الأخير على الجامعة والاستقلال والحرية الأكاديمية وما تحتاجه الجامعة لتكون جامعة حقا، من حرية الفكر وحرية البحث وحرية التعبير والاستقصاء والمشاطرة والتواصل والحقوق المتساوية للجامعيين، من الطالب إلى الأستاذ مواطنين محصنين ذكوراً وإناثاً مؤهلاتهم الكفاءة والسعي والبحث والعمل في محراب العلم والمعرفة بأنواعها، لهم كل الحريات الضرورية مصونة في البحث والتعبير وطلب العلم والمعرفة والتواصل بكل الطرق.

نرصد أنه كانت في البلاد منذ بداية حركة النهضة الحديثة في بداية القرن التاسع عشر قوى مقاومة للتطور والتغيير وللفكر نحتاج أن ننضج إلى تشخيصها، ليس في جناة وأشرار خارجيين كعادتنا المستسهلة، ولكن في أنفسنا وفي خوفنا العميق من الحركة ومقاومتنا للتغيير. فقد حاربنا قاسم أمين وعرضناه للاضطهاد وربما للموت المبكر، كما حاربنا طه حسين وأجهضنا مشروعه الفكري والعلمي والبحثي، وأجهضنا اجتهاد علي عبد الرازق الشجاع وأمثاله، وإن كان أخطأ فله أجر وإن كان أصاب فله أجران، لوقوعنا ضحية سهلة لدعاة السلفية والثبات العقيم ومقاومتنا الاتوماتيكية للمجددين وللمجتهدين والمبدعين في أمور الدنيا والدين. قد خسرنا الكثير لعدم دفاعنا عن النسيج المناسب الذي يتيح لمبدعينا وعظمائنا من المخترقين علما أو فكراً أو فناً أو فقهاً، الازدهار الكامل والعطاء المتكامل والتواصل الآمن.


§ فروق جوهرية بين الهجوم علي الجامعة وحقوقها والحريات الأكاديمية قبل وبعد 1954

ومهما كان في تاريخنا الحديث من مآسي ودروس وعبر وعدوان متكرر على الجامعة والجامعيين والحرية الأكاديمية وعلى أصحاب الرأي والرؤيا المبدعة والفكر الحُر، فإن هناك فروقاً جوهرية بين "الغزوات" المضادة للجامعة وللحرية الأكاديمة والفكرية والبحثية قبل وبعد مارس 1954. وقد كانت "الغزوات" السابقة تأتي في جو مجتمع لم تزل به ديناميات ومساحة للحركة، تتنازعه قوى معظمها بكل أسف ديكتاتوري وأحادي في التوجه دون أن تكون الغلبة المطلقة لأي طرف وهذا أعطى المساحة للمجتمع أن ينمو ويتطور وللجامعة أن تنمو وتتطور رغماً عن القوى المضادة للتطور بما فيها "السراي، الانجليز، أحزاب الأقلية، اليسار المنغلق في الكتاب الماركسي المقدس، واليمين المنغلق في حرفية فَهْم محدود ومجمد للكتاب المنزل المقدس بلا فلسفة أو فكر جديد". وبفضل وجود مساحة للحركة وسط هذه الديناميات المتصارعة والمتضادة كانت هناك مساحة للتطور القومي ولتقدم الجامعة ـ رغم الهجوم ـ تقدماً هائلاً أفرزت خلاله الجامعة العمالقة في كل مجال وقبلت الجامعة الطالبات جنبا إلي جنب مع الطلبة في أواخر العشرينات كما قبلت المرأة عضوا في هيئة التدريس في كلية العلوم مع مطلع الثلاثينات كما هو مسجل في تاريخ مصر الحديث قبل مارس 1954. والذي حدث بعد مارس 1954 أنه لم تعد هناك مساحة للتفاعل ولا ديناميات متفاعلة أو متصارعة، بل ضاعت الديناميات تماماً في ظل سلطة واحدة ساحقة ماحقة لا ديناميات أو حوار معها. ووُلُد المجتمع الاستاتيكي الذي ينكر ويلغي الكفاح الكبير الذي مرت به مصر في القرن التاسع عشر وفي النصف الأول من القرن العشرين من أجل ديناميات تطور وتنوير ومن أجل الدفاع عن دستور ليبرالي ديمقراطي تقدمي ومن أجل مشروع وفكر وفقه إسلامي يتفاعل مع الحداثة بكل قوة وإبداع وأصالة (الشيخ محمد عبده)، كل هذا التاريخ الرائع تم تقزيمه ونسيانه من أجل تسهيل السقوط في حلزون الانتكاس إلى مجتمع محكوم برؤيا أحادية لا يعقل ولا يتصور أن تحدث فيه حركة، أي حركة، إلا من أعلى وإن حدثت حركة، أي حركة، من القواعد فهي تُبتر وتُسحق فوراً من أعلى بلا نقض أو إبرام.

§ مصيبة تقنين "الشرعية الثورية" وإدخالها في نسيج المجتمع الفكري والقانوني بعد انقضاء الفترة الانتقالية

§ إننا كمجتمع سقطنا في فخ فظيع ولا نزال نعاني من توابع هذا السقوط.. ألا وهو تقنين وتشريع مرحلة ما سمي "بالشرعية الثورية" وهو خطأ وخطيئة كفيلة بتعقيم أي مجتمع.

§ وإن كان لا بد من "شرعية ثورية"، وهو ما لا أتفق معه ـ فلتكن كما هي فعلا شرعية سلطوية ثورية غير قانونية كما هي مفاهيمياً وفكرياً لضمان أن تظهر لا قانونيتها بطريقة زاعقة فور انتهاء مرحلتها، ويصبح من المستحيل والشاذ استمرارها لأنها استثناء مرحلي ثوري شاذ لا يُمَكّن من تغيير القيم الطبيعية القانونية اللازمة لصلاح المجتمعات، ينتفي ويذوي بمجرد انتفاء مرحلتها. أما ما فعلناه بتقنين وتركيب "الشرعية الثورية" الاستثنائية في نسيج المجتمع وتشريعاته وفكره ودستوره مع اقحام تقاليد سلوكية ومفاهيمية جديدة مريضة، فهو مصيبة كبري، لا زلنا نعيش توابعها في كل مجال، وقد تحولت هذه اللوائح والقوانين إلي مناخ تشريعي خانق وقاتل لكل وأي مبادرات قاعدية طبيعية لا تحلم أي حركة قاعدية بالتواجد دون "ترخيص" ودون تسليم نفسها للسيطرة الكاملة للسلطة المركزية الأحادية، مسبقا، كما تحولت هذه الأيديولوجية ـ التي تخطاها الزمن، والتي هي من عجب عكس مفهوم الثورة التي يفترض أن تؤدي إلى توسيع دوائر التمكين ورفع كفاءته وفعاليته ـ تحولت هذه الأيديولوجية إلى سلوك وفكر وثقافة سائدة وتطبيق مزمن ً يُجهض قدرات الشعب ويهدر طاقاته في خليط من ثقافة الاستسلام والخوف من الصدق ومن التعبير ومن الفعل المؤثر في أي مجال مع الايمان والاستسلام الكامل لواقع جديد مفروض أن السلطان (الريس الأعلي لكل شئ) مصدر السلطات والمال والمناصب وكل شئ وهو مصدر الجنة والحقوق والسلطة إذا رضى، والنار والويلات وعالم "القانون في أجازة"، إذا غضب، مع الاستسلام الفكري والسلوكي لواقع أن الحكومة والسلطة صاحبة الحق في تسيير كل شيء على هواها بما في ذلك ما يسمى بالإرادة الحرة للشعب. وللناظر في ما حدث ويحدث في الانتخابات بعد 1954، أي انتخابات سواء على مستوى الجامعة أو حتى على مستوى الوطن يجد أنها تسير حسب رغبة السلطة وطلبها وعلى جميع الأطراف الانصياع. وتأكيداً لما ذكرناه من مصيبة تشريع الشرعية الثورية المرحلية، تم مثلاً مأسسة عمليات تحوير الانتخابات على المستوى القومي وعلى المستوى الطلابي في الجامعات على هوى السلطة كحدث طبيعي، ومن الناموس.كما تم مأسسة تبعية الجامعات ومراكز الأبحاث للسلطة! (من النقاط المضيئة التي تطمئننا أن شعلة الحياة والحق لا تموت، شهادة المستشارة نهى الزيني عن تحوير الانتخابات الحالية حسب رغبة السلطة)

§ ولكي أشجع الاختراق المطلوب والضروري للعلاج، دون تشنجات مستميتة في الدفاع عن ماضي قريب ضل الطريق إلى النهضة والتطور، فأنا على استعداد لإفتراض أن من قاموا بعمليات سحب التمكين من الشعب ومؤسساته ـ بالتشريعات التي تنفذ أيديولوجية الدولة

المركزية الأحادية، أو بغزوات الاغتصاب المباشر ـ كانوا يعتقدون ربما بكل إخلاص أن هذه التتابعات هي خدمة ضرورية للوطن وهي طريق النهضة والرفعة والقوة. وكيف كان لهم أن يتنبأوا ـ والجميع في نشوة السعادة والانبهار بأحداث عزل الملك 26 يوليو 1952 أو بتأميم القناة وانتصارات أكتوبر1956 ـ أن تعقيم ديناميات التعدد وأن غزو الجامعة واخضاعها، وأن منهاج إختزال الوطن ومؤسساته إلى سلطة أحادية تنتهي كلها إلي الزعيم القائد المنتصر الملهم بلا استقلالية أو فصل للسلطات، هو طريق مسدود يؤدي مؤكدا إلى الانهيار والضياع والكارثة في النهاية؟

ولكي نلتمس العذر، كيف كان لهؤلاء الذين حققوا نفس التتابعات في الاتحاد السوفيتي وفي العراق بسحب التمكين من كل فئات المجتمع وتعقيمه من التفاعل والديناميات بإسم النهضة المأمولة والجنة الموعودة والانتصارات المؤزرة القادمة وبإسم الملايين المقهورة ينوب عنها الزعيم ـ نصف الإله أو العارف بالله وحده ـ ومعه القلة ـ الأوليجاركية ـ التي منحت لنفسها الوصاية ـ المؤبدة عملياً ـ على الملايين المقهورة بإسم الملايين المقهورة!. كيف كان لهؤلاء المُخْلِصين "المُخَلِّصين" كما رأوا أنفسهم أن يتنبأوا بأنهم يقودون أوطانهم وشعوبهم إلي كوارث محققة وكيف كان لهم أن يتصوروا 1967 في مصر وكيف كان لهم أن يتصوروا السقوط المدوي للإتحاد السوفيتي 1990 وكوارث العراق الممتدة منذ حرب الخليج الأولى وكوارث السقوط المروع والعام والمستمر للعراق منذ 1990 وحتى الآن.

وهل للإتجاهات المختلفة والقوى السياسية أن تستمر، كما نراها، في عناد أسطوري، في إغماض الأعين وإنكار الدروس عن سقوط "الدوجما" (الدوجما هي منظومة فكر أحادي ثابت يُرفع بالتقديس المنسوب إلى السماء أو إلى عبقري أرضي معبود أو شبه معبود (ماركس مثلاً) ليصبح غير قابل للحوار أو للتطوير أو للتفاعل مع آخر أو آخرين أو مع الأحداث والوقائع الدامغة. وهذا المنظور الجامد يفترض أوتوماتيكياً وبراحة فكرية وبكسل فكري فريد أن المختلف مسكين أو شرير على خطأ وقصور في الفهم.)

وهل نستمر في تجاهل الفشل المتصاعد لكافة تنويعات الرؤيا الأحادية الثابتة صاحبة البراعة في التنكر تحت أي ستار بلا تفاعل وبلا مساحة للتفاعل أو الحركة؟ وهل لنا أن نستمر في استمراء السقوط في براثن "الدوجما الأحادية" التي سقطت السقوط المدوي في كل اختبار وفي كل مكان ورغم ذلك لها جرأة أبدية في أن تخرج لنا حية مغرورة مستأسدة عنيدة من ركام الأمم والشعوب والمجتمعات التي عقمتها وحطمتها، وقد تأستذت الديكتاتورية الأحادية في الاستمرارية تحت كل ستار وأي ستار متنكرة في أزياء "آخر موضة وكل موضة"! مبدعة في قدراتها المدهشة على "تمثيل" كل متطلبات العصر والتطور والحداثة، وقد أعطت نفسها "نيو لوك" تحمي به نفسها وتحمي تشريعاتها الماكيافيللية التي تمنع التعددية والحركة والتفاعل من الكشف والعلاج والتطهير. نظم شلل وإزمان تمنع عبقرية المجتمعات المصابة بها من الوعي ومن تكوين أجسام مناعية فعالة مضادة تتيح بقضائها علي فيروس "الدوجما"، الحركة والتفاعل الحر والنمو والتطور، تماما مثل ميكروب الإيدز الذي يدافع عن حقه في أن يترعرع على حساب المجتمع المصاب بشل جهازه المناعي وخداعه.

§ فلنُسَلِّم إذاً من أجل البعد عن اللجج ومن أجل توجيه كل الطاقات إلى التطور، ولنؤكد أن هدفنا ليس الادانة ولكن الوعي والتنوير والعلاج، أن كل ما تقدم من كوارث وأخطاء واعتداءات وانحرافات، كان ضرورة مرحلية، ولكن الغير مغتفر حقا ألا نسارع بتطهير مجتمعنا من ترسانة التشريعات الماكيافللية الساحبة للتمكين والمانعة للتعددية وللتفاعل والتي تجعل من السلطة المركزية الأحادية بلا فصل حقيقي بين السلطات، "كل شئ" في هذه المنظومة، والمجتمع بقواعده ومؤسساته ومنها الجامعات طبعاً، وباتجاهاته المتعددة والمختلفة بالطبيعة، كيان معتمد مشلول ينتظر التوجيهات من أعلي، "لا شئ"!!

د. طارق علي حسن

tali@idsc.net.eg


3rd of series on decline of Egyptian Universities

علي هامش تراجع الجامعات المصرية (3)

محاولة اختراق جدار النسيان من أجل الخروج من غياهب التخلف.

كان للجامعة أيلول أسود سنة 1954 لا أدري لماذا نسيناه؟ ولماذا نتناساه؟

نتابع رصد مأساة تراجع الجامعات المصرية، ولا حاجة بنا لتكرار أن الجامعة في كل بلد هي أهم جبهة للمجتمع لالتقاط وتغذية عبقرياته وهي نهر الحياة وجبهة التطور والنمو له، وهي ملاذ المجتمع الحقيقي وسلاحه الأقوى وجبهته المتقدمة في مجال البحث المستمر لمواجهة تحديات العصر كل عصر والتنبؤ بها واستباقها، وهذا هو الطريق الحقيقي والوحيد لأمن الدولة في العصر الحديث، ننسى أو نتناسى الحقائق المزلزلة والدالة في تتابعات الإهدار العمدي لاستقلال الجامعة ولدعائم الحرية الأكاديمية. نذكر أيلول الأسود بالنسبة للمقاومة الفلسطينية عام 1970 ونذكر يونيو الأسود عام 1967 ونذكر أيلول الأسود2001 بالنسبة لبرج التجارة العالمي، ونتناسى متعمدين أنه كان للجامعة أيلول أسود عام 1954 بعد أيام من بدء "غزوة" الصاغ كمال الكبرى للجامعة من أجل إخضاع المثقفين "الجهلة" كما سمتهم المظاهرات التي حركها وقادها الصاغ طعيمة والصاغ الطحاوي في طريقهم لضرب وإرهاب وتأديب السنهوري باشا رئيس مجلس الدولة وباقي القضاة أثناء تتابعات تلقين المصريين من كل الطبقات من الغفير والعامل (خميس والبقري) إلى كبير القضاة (عبد الرازق السنهوري باشا) الدروس اللازمة بشأن الانصياع المطلق للسلطة الأحادية الجديدة. وكان العالمون ببواطن الأمور والحكماء والعلماء حقاً، يعرفون أنه ستلي هذه "الغزوات" بالضرورة "غزوات تعليمية تأديبية تربوية" أخري، ما سُمى في حينه "لجان التطهير"، "محاكم" الغدر، (وهي مجرد اسم من أسماء المحاكم الاستثنائية العديدة أومحاكم "الكانجارو" التي وضعت بصماتها عمداً وبقوة في وعي ووجدان الشعب)، مذبحة الأحزاب ومذبحة القضاء ومذبحة الصحافة ومذبحة النقابات ... إلخ. وهو الطريق الطبيعي لاختزال الوطن كله في سلطة مركزية واحدة أحادية تبتلع كل السلطات والصلاحيات الأخرى وتعليم الجميع الاستسلام لهذا الواقع الجديد على أنه من الناموس. وذلك ـ لكل من يملك النظرة البعيدة والحكيمة ـ هو التعريض الحقيقي لأمن الدولة لأشد المخاطر كما أثبت ويثبت التاريخ.

العجيب حقاً أن الجامعة تلقت هذه "غزوة 54" الساحقة بمقاومة ضعيفة أو بلا مقاومة وبلا تأريخ وهُزمت فيها هزيمة ساحقة لا تقل حجم الكارثة فيها عن هزيمة يونيو 1967 والأعجب أنه تلت هذه التتابعات المزلزلة فقدان للذاكرة ونسيان كامل وإنكار لأبطال المواجهة من الجامعيين الذين فُصلوا فصلا جماعياً أو الذين أرغموا على الانكماش إلى قوقعة الرفض السلبي الصامت أو اتجهوا للهجرة. وفي كل الأحوال فقدتهم الجامعة وفقدهم الوطن.

جبال من التشريعات المنحرفة لن تنهض الجامعات ولن ينهض المجتمع بدون تشخيصها بحكمة ثم تنقيتها وتطهيرها جذرياً

كفانا تمسكاً بحقبة ماضية ربما كانت لها ـ من وجهة نظرها ـ مبرراتها لتُطبق بالقوة فلسفة التمكين الكامل لسلطة مركزية أحادية أدت على الأمد الطويل كما نرى بوضوح إلى انتكاس المجتمع إلى نوع من ملكيات العصور الوسطى حيث:

- السلطة مصدر السلطات

- القوة تحدد الحق والحقيقة وهي فوقهما معاً

- الحكومة سيدة الأمة والوصية عليها والأمة تابعة للحكومة.

ويرحم الله سعد زغلول الذي رفع شعار وتطبيق الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة.

لا أدري لماذا نتمادى ونزمن في التصفيق والاعجاب المستميت بماضي أدى إلى حاضر مختنق، بينما أمامنا طرق أكثر نضوجا وعلمية وفعالية بل وضرورية ضرورة مطلقة للخروج من عنق الزجاجة الذي نشكو ونتباكي ونحن محشورين مهمشين نتفرج دون أن نكون فاعلين أو مؤثرين على عالم يتجاهلنا ويتخطانا! ويدهمنا ويسحقنا ويهددنا دورياً بلا أدنى اعتبار لارادتنا أو مصالحنا أو مشاعرنا.

كل التشريعات التي أحاطت بهذا الشعب منذ 1954 والستينات عملت وتعمل علي تقنين سيطرة الحكم المركزي الديكتاتوري، وولدت في ظل إيديولوجية سحب التمكين من الأمة والمواطنين وتقديم التمكين الكامل بلا آليات مساءلة أو مراجعة لسلطة مركزية أحادية تنتهي إلي شخص "الريس"، رئيس الجمهورية الزعيم ودائرته الصغيرة، بلا ضابط أو رابط مع سحب آليات الفصل بين السلطات.

إننا كمجتمع سقطنا في فخ فظيع ولا نزال نعاني من توابع هذا السقوط.. ألا وهو تقنين وتشريع مرحلة ما سمي "بالشرعية الثورية" وهو خطأ وخطيئة كفيلة بتعقيم أي مجتمع. وإن كان لا بد من "شرعية ثورية"، وهو ما لا أتفق معه ـ فلتكن كما هي فعلا شرعية سلطوية ثورية غير قانونية كما هي مفاهيمياً وفكرياً لضمان أن تظهر لا قانونيتها فور انتهاء مرحلتها، ويصبح من المستحيل والشاذ استمرارها لأنها استثناء مرحلي ثوري شاذ لا يُمَكّن من تغيير القيم الطبيعية القانونية اللازمة لصلاح المجتمعات، ينتفي ويذوي بمجرد انتفاء مرحلتها. أما ما فعلناه بتقنين وتركيب "الشرعية الثورية" الاستثنائية في نسيج المجتمع وتشريعاته وفكره ودستوره فهو مصيبة كبري، لا زلنا نعيش توابعها في كل مجال، وقد تحولت هذه اللوائح والقوانين إلي مناخ تشريعي خانق وقاتل لكل وأي مبادرات قاعدية طبيعية لا تحلم أي حركة قاعدية بالتواجد دون "ترخيص" ودون تسليم نفسها للسيطرة الكاملة للسلطة المركزية الأحادية مسبقا، كما تحولت هذه الأيديولوجية ـ التي تخطاها الزمن والتي هي من عجب عكس مفهوم الثورة التي يفترض أن تؤدي إلى توسيع دوائر التمكين ورفع كفاءته وفعاليته ـ تحولت هذه الأيديولوجية إلى سلوك وفكر وثقافة سائدة تمثل مرضاً مزمناً يُجهض قدرات الشعب ويهدر طاقاته في خليط من ثقافة الاستسلام والخوف من الصدق ومن التعبير ومن الفعل المؤثر في أي مجال مع الايمان والاستسلام الكامل لواقع جديد مفروض أن السلطان (الريس الأعلي لكل شئ) مصدر السلطات والمال والمناصب وكل شئ وهو مصدر الجنة والحقوق إذا رضى، والنار والويلات وعالم "القانون في أجازة" إذا غضب، مع الاستسلام الفكري والسلوكي لواقع أن الحكومة والسلطة صاحبة الحق في تسيير كل شيء على هواها بما في ذلك ما يسمى بالإرادة الحرة للشعب. وللناظر ما حدث ويحدث في الانتخابات أي انتخابات سواء على مستوى الجامعة أو حتى على مستوى الوطن وهي تسير حسب رغبة السلطة وطلبها وعلى جميع الأطراف الانصياع. وتأكيداً لما ذكرناه من مصيبة تشريع الشرعية الثورية المرحلية، تم مثلاً مأسسة عمليات تحوير الانتخابات على المستوى القومي وعلى المستوى الطلابي في الجامعات على هوى السلطة كحدث طبيعي، ومن الناموس.

ولكي أشجع الاختراق المطلوب والضروري، دون تشنجات مستميتة في الدفاع عن ماضر قريب ضل الطريق إلى النهضة والتطور، فأنا على استعداد لإفتراض أن من قاموا بعمليات سحب التمكين من الشعب ومؤسساته ـ بالتشريعات التي تنفذ أيديولوجية الدولة المركزية الأحادية، أو بغزوات الاغتصاب المباشر ـ كانوا يعتقدون ربما بكل إخلاص أن هذه التتابعات هي خدمة ضرورية للوطن وهي طريق النهضة والرفعة والقوة. وكيف كان لهم أن يتنبأوا ـ والجميع في نشوة السعادة والانبهار بأحداث عزل الملك 26 يوليو 1952 أو بتأميم القناة وانتصارات أكتوبر1956 ـ أن تعقيم ديناميات التعدد وأن منهاج إختزال الوطن ومؤسساته إلى سلطة أحادية تنتهي كلها إلي الزعيم القائد المنتصر الملهم بلا استقلالية أو فصل للسلطات، هو طريق مسدود يؤدي مؤكدا إلى الانهيار والضياع والكارثة في النهاية.

ولكي نلتمس العذر، كيف كان لهؤلاء الذين حققوا نفس التتابعات في الاتحاد السوفيتي وفي العراق بسحب التمكين من كل فئات المجتمع وتعقيمه من التفاعل والديناميات بإسم النهضة المأمولة والجنة الموعودة والانتصارات المؤزرة القادمة وبإسم الملايين المقهورة ينوب عنها الزعيم ـ نصف الإله أو العارف بالله وحده ـ ومعه القلة ـ الأوليجاركية ـ التي منحت لنفسها الوصاية ـ المؤبدة عملياً ـ على الملايين المقهورة بإسم الملايين المقهورة!. كيف كان لهؤلاء المُخْلِصين "المُخَلِّصين" كما رأوا أنفسهم أن يتنبأوا بأنهم يقودون أوطانهم وشعوبهم إلي كوارث محققة وكيف كان لهم أن يتصوروا 1967 في مصر وكيف كان لهم أن يتصوروا السقوط المدوي للإتحاد السوفيتي 1990 وكوارث العراق الممتدة منذ حرب الخليج الأولى وكوارث السقوط المروع والعام والمستمر للعراق منذ 1990 وحتى الآن.

وهل للإتجاهات المختلفة والقوى السياسية أن تستمر، كما نراها، في عناد أسطوري، في إغماض الأعين وإنكار الدروس عن سقوط "الدوجما" ([1]) وكافة تنويعات الرؤيا الأحادية الثابتة صاحبة البراعة في التنكر تحت أي ستار بلا تفاعل وبلا مساحة للتفاعل أو الحركة؟ وهل لنا أن نستمر في استمراء السقوط في براثن "الدوجما الأحادية" التي سقطت السقوط المدوي في كل اختبار وفي كل مكان ورغم ذلك لها جرأة أبدية في أن تخرج لنا حية مغرورة مستأسدة عنيدة من ركام الأمم والشعوب والمجتمعات التي عقمتها وحطمتها، وقد تأستذت الديكتاتورية الأحادية في الاستمرارية تحت كل ستار وأي ستار متنكرة في أزياء "آخر موضة وكل موضة"! مبدعة في قدراتها المدهشة على "تمثيل" كل متطلبات العصر والتطور والحداثة، وقد أعطت نفسها "نيو لوك" تحمي به نفسها وتحمي تشريعاتها الماكيافيللية التي تمنع التعددية والحركة والتفاعل من الكشف والعلاج والتطهير. نظم شلل وإزمان تمنع عبقرية المجتمعات المصابة بها من الوعي ومن تكوين أجسام مناعية فعالة مضادة تتيح بقضائها علي فيروس "الدوجما"، الحركة والتفاعل الحر والنمو والتطور، تماما مثل ميكروب الإيدز الذي يدافع عن حقه في أن يترعرع على حساب المجتمع المصاب بشل جهازه المناعي وخداعه.

ويساعد في استمرار المأساة القوى المفروض أنها حاملة لواء التطوير والتغيير على اليمين أو علي اليسار والتي تثبت حتى الآن أنها غير قادرة على التحرر فكريا أو سلوكا أو تنويراً، من براثن "الدوجما" التي طالما سحقتهم وسحقت الوطن ومؤسساته معهم! وهم في إفلاس تاريخي ما فتئوا يواجهون "الدوجما" الأحادية المسيطرة بالدوجما الأحادية الخاصة بهم يتمنون لها نفس السيطرة القاهرة، ويضيعون بذلك حقهم المعنوي في المطالبة بالتغيير حقاً، ولسان حالهم الإعتراض على أنهم ليسوا الفئة التي تمسك بالسلطة لتقوم بسحق وإخضاع الشعب بإسم "الدوجما الأحادية" الخاصة بهم وحدهم وهي وحدها الصحيحة! ولم تنطلق أي هذه القوى إلى فلسفات تدعيم آليات الحياة والنمو والتعبير والعدل والاستثمار في البشر قبل "الدوجما" والتنمية البشرية للبشر ككائنات تعددية تفاعلية متحركة تحتاج إلى الأمن والأمان والمساحة والتغذية للنمو والإزدهار والتعلم والتعليم ولميلاد المجتمع المنيع المبدع المطْمَئِن المعلم المتعلم القوي بدلاً من غصب "النظرية" على البشر الضحية من أجل فلاحهم وخلاصهم الذي يغصبه عليهم! هؤلاء العارفون بالصواب والخطأ والحق والباطل بلا شك أو مناقشة وبالنسبة للجميع.

فلنُسَلِّم إذاً من أجل البعد عن اللجج ومن أجل توجيه كل الطاقات إلى التطور، أن كل ما تقدم من كوارث وأخطاء واعتداءات وانحرافات، كان ضرورة مرحلية ولكن الغير مغتفر حقا ألا نسارع بتطهير مجتمعنا من ترسانة التشريعات الماكيافللية الساحبة للتمكين والمانعة للتعددية وللتفاعل والتي تجعل من السلطة المركزية الأحادية بلا فصل حقيقي بين السلطات، كل شئ في هذه المنظومة، والمجتمع بقواعده ومؤسساته ومنها الجامعات طبعاً، وباتجاهاته المتعددة والمختلفة بالطبيعة، لا شئ!!

هل تترعرع جامعاتنا ومؤسساتنا وتزدهر أم تستمر في الاضمحلال والتراجع؟!

بكل بساطة نحتاج إلى الاعتراف البسيط والواضح وبدون إدانة أو هستيريا أن فلسفة الحكم التي سادت بعد 1954 ثم تغولت بعد 1962 وحتى الآن، رغم عمليات التجميل الظاهرية، كانت بكل بساطة استمرار غير مبرر للشرعية الثورية المنتمية لمارس 1954 وامتدت دون مبرر لمدة خمسين عاماً أو يزيد حتى 2004 و 2005! ونحتاج إلى جبال مضادة من الوعي والتنوير والتشريع الجديد للخروج من منزلق هذه التشريعات المنحرفة التي وصفناها. والامتداد الذي نعانيه ويخنق تطور هذا المجتمع بمؤسساته وجامعاته وإنسانه هو حدث متناقض مع نفسه تماماً ونشاهده في استمرار ما يسمى حالة "الطوارئ" أكثر من عشرين عاماً و"الطوارئ" لغوياً ومفاهيمياً وعقلاً ومنطقاً حالة طارئة بالتعريف يستحيل استمرارها أكثر من فترة قصيرة وإلا يثبت أن هناك اختلال أساسي في التركيبة كلها يجب إصلاحه والتصدي له. ولا يمكن ولا يرضى أحد أن نُواجه بأجيال، سيحاسبنا على تدميرها التاريخ، وقد عاشت كل حياتها في الجامعة وفي العمل وفي الجامع وفي البيت في الطفولة وفي الشباب وفي الهِرم في ظل "حالة طوارئ" مزمنة لا تتحرك!.

أمامنا خيارات الأمن بالأجهزة أم الأمن بالعلم والمعرفة والإبداع والمهارات والتفوق؟

تصبح هذه الخيارات أكثر حدة وأكثر أهمية مع السقوط الكبير لنظرية أمن الدولة عن طريق القنوات البوليسية والأجهزة الغير مسئولة أمام أي جهة شعبية. ولا داعي لأن نذكر بكل ألم عند النظرة الواسعة على الوطن بمدى التهديد المتصاعد الذي يواجهه أمن الدولة من الداخل ومن الخارج نتيجة للخيار الخاطئ للقنوات البوليسية وتنويعاتها قبل قنوات الأمن من خلال العلم والمعرفة والإبداع والمهارات والتفوق.

ونظرة إلى السودان وإلى فلسطين وإلى العراق ترينا بكل أسف وأسى انهيار الخطوط الحمراء التقليدية للأمن القومي المصري الواحد بعد الآخر. أفلا نبحث عن طرق أكثر فاعلية؟

نذكر بكل أسف أنه قد اقتضى الاستمرار الغير مشروع "للشرعية الثورية" إنشاء وتطوير الأجهزة "الأمنية" العلنية والسرية الغير ملتزمة أو ملزمة بالشفافية ولا بالمساءلة ولا حتى بالقانون! طالما رضاء الزعيم وثبات النظام مستمر. ووجود أجهزة علنية وسرية ممَكَّنة بلا حدود وبلا أي التزام تجاة القواعد وبلا آليات للشفافية والمساءلة يمثل فيروس آخر من فيروسات النحر في قدرات المبادرة والابداع لدي المجتمع أي مجتمع ومؤسساته حاملة رايات الابداع والاختراق الفكري والعلمي والفني وعلي رأسها الجامعات طبعاً.

وكل ما تقدم كان لا بد أن يصيب الجامعات بالدمار والركود والانهيار العلمي والأخلاقي والسلوكي والشلل ويلاحظ أن الذي أصاب الجامعات في مقتل ليس الغزوات المتكررة الناجحة التي أشرنا إليها، ولكن قُتلت الجامعات عندما سُحبت إلى مصيبة تقنين الشرعية الثورية وتقنين وتبرير أيدولوجية السيطرة الكاملة للدولة المركزية أحادية التوجه وأجهزتها والتي تطورت بالتدريج من عدوان سلطوي علوي مباشر إلى إفرازات مخططة لترسانة ذكية ماكيافيللية** من التشريعات أخذت عنوان تطوير الجامعات ومواكبة النهضة القومية والثورة العلمية، وباطنها تكريس هزيمة الجامعة في "الغزوة" الكبرى وسحب التمكين من الطلبة والطالبات وأعضاء هيئة التدريس زهرة الشباب والعلم في الوطن.

دراسة متعمقة للائحة تنظيم الجامعات حتى الآن تُظهر براعة اللوائح في تحويل أعضاء هيئة التدريس إلى موظفين تتم ترقيتهم في كوادر الجامعة حتى الأستاذية بالأقدمية وليس بالعبقرية مع اشتراط ماكيافيللي آخر لعدد من الأبحاث، لا يوجد ضابط ولا رابط لمستواها ولا تمويل واقعي لها أو حتى بنية قاعدية معقولة من المكتبات والمراجع والمعامل لتدعيمها ولا آليات للتفاعل في المؤتمرات العلمية والدولية ولا مناخ من الحرية الأكاديمية الضرورية، بل تُحول الأبحاث المشروطة باللائحة عملية البحث العلمي إلى مجرد سد خانة يقوم بها موظفون للحصول على الترقية المطلوبة. ومع الوقت كما هو منتظر أصبح لا مانع من أن تكون الأبحاث هزيلة أو منقولة أو مسروقة أو مفبركة، بل أصبح ذلك هو النمط المعتاد وكله يهون في سبيل الترقية الضرورية وفي سبيل طاعة لائحة مفروضة لم يشترك الجامعيون في تطويرها. كما قامت اللائحة الماكيافيللية كنوع من الرشوة للموجودين من أعضاء هيئة التدريس الذين تم تطويعهم وتقزيمهم، بقفل الأبواب عملياً على الكفاءات الخارجية، وهي العناصر في كل بلاد العالم التي تُضيف الدم الجديد إلى المجتمع العلمي والفكري وتُضيف المهارات إلى المجتمع البحثي. وتَحول المجتمع العلمي إلى مجتمع موظفين لدي الدولة مغلق يتوالد ويتجدد داخل نفسه محبوساً "تحت الحماية" من أي مؤثرات خارجية في حلقة مغلقة.

وأصبح المجتمع العلمي الجامعي قابل لأن يعيش أي خرافات وهزاءات يتطلبها الساسة وشئون السياسة من أن الجامعات المصرية تعيش أزهى عصورها وأن هناك نهضة غير مسبوقة في البحث والأبحاث وأن مستوى العلماء والأطباء والفلاسفة المصريين يضاهي ويفوق أعلى المستويات العالمية، وأصبحنا نصدق كلام المجاملات المدمرة الذي يقوله لنا الخواجات بعد أن نغرقهم في احتفالاتنا وعزوماتنا ونبعثهم كالملوك في زيارات، مُبالغ في كرمها بدرجة مَرَضية، للأقصر وأسوان وشرم الشيخ ثم نُظهرهم عند العودة في "حوارات" على التليفزيون يمتدحون طبعاً الكرم المصري الأسطوري والمستوى العلمي الغير مسبوق لكلياتنا الجامعية العظيمة ولأبحاثها التي تغير وجه التاريخ، وهي التي يلقون معظمها في سلة المهملات فور خروجهم من مصر!

مأساة وأكذوبة "تحريم النشاط السياسي" في الجامعة

وعاشت الحياة الطلابية في الجامعة ـ ولا زالت ـ تعيش مأساة فريدة وأكذوبة ضخمة.

بالاضافة إلي دفع الطلاب للثمن الباهظ علمياً وتعليمياً وإنسانياً للترديات التي وصفناها في هذا المقال وما سبقه، وهذه الأكذوبة هي أكذوبة تحريم النشاط السياسي في الجامعة تحريماً ظالماً كاذباً حيث أن هذا التحريم جرى في ظل تسييس كامل وصارخ للجامعة والطلاب والأساتذة. ولسان الحال في هذا الأمر الحزين : "كل سياسة في الجامعة محرمة وممنوعة إلا سياسة الزعيم الأوحد وحزبه الأوحد التي لها بل عليها أن تقتحم الطلاب كل الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، ليس بالتقادح أو بالرأي والرؤيا، ولكن بالقوة وبالرشوة وبالعقاب لمن يجرؤ علي الاختلاف" حيث تم غزو الجامعة سياسياً وبضراوة كما رأينا بواسطة تنظيم السلطة الأوحد ورجال السلطة مع التسييس الكامل لهم بل وتحولت كل المناصب القيادية في الجامعة إلى مناصب سياسية، مع التسييس للمحاضرات والبرامج والأفكار وما يجوز للأستاذ أن يقوله أو لا يقوله في الاقتصاد والسياسة والتاريخ أو حتى في الطب حتى لا يُصنف مع "المخالفين".

ومع هذا الاقتحام الأحادي القاسي ومع نزع مناخ الحوار والتفاعل ووسائل التعبير السلسة الآمنة من خيرة شباب مصر، وفي ظل هذا التسييس الأحادي الصارخ، تحولت زهرة شباب مصر إلى طاقات محرومة من الحوار والتفاعل والتعبير، وليس عجيباً أن تنمو آليات تنشئة أجيال "دوجماتية" تميل للعنف البتري مع "الآخر" غير مدربة وغير قابلة للحوار والتفاعل والتفاهم البناء مع المختلف، والأخطر أن كل هذا يجعلها غير قابلة للبحث العلمي الأمين والحقيقي الذي هو تفاعل مع النظرية وعكسها والافتراض وعكسه بصفة مستمرة. وكل هذا عكس كامل وفرض شلل كامل على وظيفة الجامعة ووظيفة التعليم الجامعي. ولم تجرى في جامعاتنا مناظرات حقيقية حرة في أي موضوع لمدة نصف قرن أو يزيد، ولم تعد مؤتمراتنا العلمية تشمل أو تمارس الحوار العلمي الرفيع الذي يؤدي إلى الاستنارة والاختراق، بل غلب على معظمها التظاهر والتفاخر والإدعاء واللاعلمية الصارخة. وليس عجيبا أن ينشد شبابنا الاشباع الفكري والوجداني والروحي خارج الجامعة وخارج نطاق أساتذتهم الذين تقزم ـ معظمهم ـ إلي موظفين في مرفق من مرافق السلطة يتبعون السلطة، همهم الأول الرضا والترقي والطاعة ثم جمع المال وهو القيمة الوحيدة الباقية والمؤثرة في ظل اضمحلال كل القيم المعنوية والمعرفية والابداعية الكبرى.. ولم لا والمال أصبح القيمة الوحيدة المؤثرة في مجتمع يعاني الافلإس والركود وفقر المبادرة والابتكار والابداع وفقر التقدير للكفاءة والإنجاز، والعمل في كل مجال من طول فرض الستاتيكية الأحادية والركود من أعلى بعضلات السلطة القاهرة المتغولة المزمنة.

أي أن المنهاج الحواري التفاعلي في كل شئون الحياة، وهو المنهاج الضروري للنمو وللتطور وللبحث العلمي أصبح محرماً على علمائنا وطلابنا بحكم القانون واللائحة والتقاليد الجديدة المريضة .. فكيف بالله يتم النمو؟! وكيف بالله نرجو العلم والتعلم والتنوير والبحث العلمي الناتج عن التفاعل الحر الآمن بين المناظير المتضادة؟!

الحديث أليم ذو شجون ولكنه ضروري إذا أردنا أن نتخطى هذه الكبوة المخيفة التي تردينا فيها ونحن نقنع أنفسنا أننا نعيش نهضة غير مسبوقة!.

ولهذا التحليل تتابعات عديدة أخرى وبقية تأتي .. نعرض فيها في الوقت المناسب لجامعة الأزهر التي كانت في نظري تحمل الطاقة الكامنة لتكون من أنصع وأقدر عناصر النهضة المصرية الحديثة في مجال الدين والعلوم والفقه والتفاعل مع الحضارات دون فقد الهوية وكذلك في مجالات العلوم والثقافة الحديثة المعاصرة، لتكون مركز إشعاع وبحث أكاديمي عالمي ينير الطريق إلى الفقه الجديد الذي يستصرخه المسلمون من قياداتهم الفقهية المستنيرة. ولكن دخلت القوانين الماكيافيللية إلى الأزهر ليس بالهجوم المباشر، كما حدث في الجامعة، لكن دخلت تحت ستار التطوير والتحسين والتحديث، بدلاً من "غزوة" التدمير المباشر التي تمت على الجامعات الأخرى، فللأزهر في مصر والعالم الإسلامي كله مكانة لا تحتمل تحطيمه مباشرة بالقوة المباشرة، ولكن تم سحبه التدريجي بالمغريات واللوائح الماكيافيللية الذكية إلى حظيرة السلطة التنفيذية، المهم أن ينتهي الأمر للسلطة التنفيذية الأحادية بأن تحتوي مؤسسة الأزهر وقدراته تحت جناحها وتنفذ عملياً القضاء النهائي على مبدأ الفصل بين السلطات، مع القضاء على إمكانية وجود أي سلطات في الوطن قادرة على التفاعل، لها استقلالها ووجودها الذاتي، ولا يهم أن يتحول الأزهر الذي تسيطر عليه السلطة التنفيذية الأحادية تحت ستار التحديث، إلى جامعة تفقد القدوة والقدرة والريادة في المجال الديني الفقهي والعلمي الحديث معاً. المهم أن يتم احتواء الجميع بأمان تحت مظلة السلطة التنفيذية ولو على حساب العلم والمعرفة والفقه.

أ.د. طارق علي حسن

البريد الالكتروني tali@idsc.net.eg

الموقع على الانترنت tarekalihassan.com

tarekalihassan.org



1) الدوجما : منظومة فكر أحادي ثابت يُرفع بالتقديس المنسوب إلى السماء أو إلى عبقري أرضي معبود أو شبه معبود (ماركس مثلاً) ليصبح غير قابل للحوار أو للتطوير أو للتفاعل مع آخر أو آخرين أو مع الأحداث والوقائع الدامغة. وهذا المنظور الجامد يفترض أوتوماتيكياً وبراحة فكرية وبكسل فكري فريد أن المختلف مسكين على خطأ وقصور في الفهم.

** ماكيافيللي : هو مفكر سياسي إيطالي ولد سنة 1469 ومات سنة 1527 ، كرس جزء من أعماله لنصيحة وإرشاد أميره إلى السبل البارعة للحصول على السلطة المطلقة والحفاظ عليها عن طريق إجهاض مستمر لكافة القوى المناوئة ، وكان هذا متوافقاً مع الفكر المرتبط بالسلطة في هذا العصر وإن كان قد كتب دراسات أخرى أقل وحشية وأكثر حكمة، فقد التصق كتابه البشع "الأمير" باسمه الذي أصبح مثلاً للديكتاتور يحطم بلا حدود أخلاقية أو مبدئية وبلا رحمة كل القوى في طريقه ليحصل علي القوة المطلقة حيث هو مبعوث العناية الإلهية إلي شعبه..

About Me

My photo
doctor, teacher at university and musician, composer dramatist committed all my life to health and resolution through expression/communication and the marriage of art and science in the service of that miracle LIFE and that even rarer miracle the conscious HUMAN BEING. DO VISIT MY WEBSITE: www.tarekalihassan.org